أبي حيان الأندلسي
256
البحر المحيط في التفسير
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ظاهره ثبوت هذا الحكم للأمة ، وأنه يتحلل بالإحصار . وروي عن عائشة وابن عباس : أنه لا يتحلل من إحرامه إلّا بأداء نسكه ، والمقام على إحرامه إلى زوال إحصاره . وليس لمحرم أن يتحلل بالإحصار بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فإن كان إحرامه بعمرة لم يفت ، وإن كان بحج ففاته قضاه بالفوات بعد إحلاله منه وتقدم الكلام في الإحصار . وثبت بنقل من نقل من أهل اللغة : أن الإحصار والحصر سواء ، وأنهما يقالان في المنع بالعدوّ ، وبالمرض ، وبغير ذلك من الموانع ، فتحمل الآية على ذلك ، ويكون سبب النزول ورد على أحد مطلقات الإحصار . وليس في الآية تقييد ، وبهذا قال قتادة ، والحسن ، وعطاء ، والنخعي ، ومجاهد ، وأبو حنيفة ، وقال علقمة ، وعروة : الآية نزلت فيمن أحصر بالمرض لا بالعدوّ ، وقال ابن عمر ، وابن عباس ، وابن الزبير ، ومالك ، والشافعي . لا يكون الإحصار إلّا بالعدوّ فقط . قال ابن عباس : والآية نزلت فيمن أحصر بالعدوّ لا بالمرض . وقال مالك ، والشافعي : ولو أحصر بمرض فلا يحله إلّا البيت ، ويقيم حتى يفيق ، ولو أقام سنين . وظاهر قوله : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ استواء المكي والآفاقي في ذلك ، وقال عروة ، والزهري ، وأبو حنيفة : ليس على أهل مكة إحصار . وظاهر لفظ : أحصرتم ، مطلق الإحصار ، وسواء علم بقاء العدوّ استيطانه لقوته وكثرته ، فيحل المحصر مكانه من ساعته على قول الجمهور ، أو رجا زواله ، وقيل : لا يباح له التحلل إلّا بعد أن يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه لو زال العدوّ لم يدرك الحج ، فيحل حينئذ ، وبه قال ابن القاسم ، وابن الماجشون . وقيل : من حصر عن الحج بعذر حتى يوم النحر فلا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة ، ومطلق الإحصار يشمل قبل عرفة وبعدها خلافا لأبي حنيفة ، فإن من أحصر بمكة أو بعد الوقوف فلا يكون محصرا ؛ وبناء الفعل للمفعول يدل على أن المحصر بمسلم أو كافر سواء . فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ هو شاة ، قاله علي ، وابن عباس ، وعطاء ، وابن جبير ، وقتادة ، وإبراهيم ، والضحاك ، ومغيرة . وقد سميت هديا في قوله : هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ « 1 » وقال الحسن ، وقتادة : أعلاه بدنة ، وأوسطه بقرة ، وأدناه شاة . وبه قال مالك ، وأبو يوسف ،
--> ( 1 ) سورة المائدة : 5 / 95 .